
لا عساني أجد ما أفكر فيه كلما فتحت التلفاز أو قرأت الصحف الا هو.. ذلك الذي اغتيل فينا، فقدناه ولكن مازال يعيش بيننا، و بكل كتاباته و كلماته و أفكاره هو معنا. كل ما كتبه قبل عقودٍ مضت وعفى على أجداثها الدهر ما زالت تتكلم عن أحداث اليوم وأخباره.. انه هو.. الفقيد الحي غسان كنفاني.
قال: أنا أحكي عن الحريه التي لا مقابل لها.. الحريه التي هي نفسها المقابل..
بعد متابعة الحديث الرديء عن الاصلاحات الخادعة و إقالة الحكومة المصرية من قبل “الريس”، كانت الخطابات كما يراها أصحاب الثورة مجرد محاولات فاشلة لإخماد نار المعارضه والحفاظ على يملكه صاحب الكرسي الذهبي من مميزات و ألقاب و ثروات، فكانوا على يقين تام بأن ما صرح به رئيسهم “السابق” بالإكراه لن يلهيهم عن البحث عن ضالتهم، والتضحية من أجلها، وميت خط تحت كلمة السابق. وفعلاً رفض أصحاب الثورة أي مقابل لحريتهم و استمروا بالسعي وراء مطلبهم دون رجعه. لأنهم يتحدثون أيضاً عن الحرية التي لا مقابل لها، الحرية التي تأتي بالمقابل مع دماء هدرت و أنفس ذاقت الموت بعد أن ذاقت الذل و الفقر.
قال: لك شيء في هذا العالم..فقم!
ثلاثون عاماً من الاستبداد والذل والكبت لن تضمحل بيومين أو ثلاثه أو أسبوع من غضب، كان لابد للشعب المصري أن يدفع ثمناً أغلى و أصعب للحرية التي لا تأتي أبداً بسهوله. كل يوم اضافي في ثورة هؤلاء الأبطال ما هو الا دليل على انتصارهم الحتمي، أفاق أبناء العرب اليوم ليجدوا أنفسهم فجأةً يتفجرون غضباً و قهراً بما تكتل في أعبائهم أعواماً وأعواماً من فساد و ظلم و ذل و فقر و ألم. في نفس كل واحد منهم سطراً لكنفاني، دفعه لأن يستيقظ من غيبوبته، كأن شيئاً فيه صرخ بأعلى صوت، لك شيء في هذا العالم.. فقم.. قم الآن.
قال: إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين
وكأنّ كنفاني كتبها قاصداً أن نقرأها مرة أخرى بعد أحداث تونس غير المتوقعه، و أحداث مصر التي كانت قبل أسبوعين مستحيله. وباتت اليوم تاريخيه. الثورات التي قامت في وقتها المبكر في تونس بدأت بقضية الميت، و الثورة المتأخرة في مصر بدأت قضية أموات أيضاً، كيف لنا أن ننسى الكوارث التي راح ضحيتها آلاف المظلومين من الشعب في طبقاتهم الفقيره بسبب الفساد وأعمال النصب والأموال المكتنزة في البنوك لرجال اعمال نهبوا الأرض. أناس احترقوا، و أناس سقطت على رؤوس عائلاتهم الصخور أثناء نومهم في بيوتهم، أناس راحوا غرقاً، و أناس راحوا شنقاً و قتلاً. هل هناك أي نوع جديد من الموت لم يقترب منهم بعد؟ كيف لأحد يمسك بزمام الأمور لا يكترث بهكذا أساً.. ؟ وكيف لكنفاني أن يصل الى نظريات تثبتها الأيام والأحداث و التواريخ وان تأخرت.. ؟
قال: إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية
نعم.. يبحث المواطن العربي في هذه الأيام سواءاً كان في تونس، مصر، فلسطين، العراق، السودان، اليمن، و غيرهم وغيرهم.. عن أنفسهم. وعن ما ضاع من عروبتهم على مر السنوات والحيواة، عن أوراق طواها أصحاب الرئاسة و الزعامه، همشوا في أسمائهم و خدشوا انسانيتهم.. حتى أصبحوا في نهاية مطافنا و مطافهم قضايا مؤجلة في سجلات ثانوية تبرأ القانون منها، و سقط كل محاميها قبل سقوط زعمائها.
قال: في صفاء رؤيا الجماهير تكون الثورة جزءا لا ينفصم عن الخبز و الماء و أكف الكدح و نبض القلب
وأقول: و قلوب توقف نبضها ولم يتوقف جهاز الانعاش بجانبها في زمن الحاكم والمذهبيه، في عصر الزعامة بالإذلال.. ماذا أقول لك يا كنفاني ان كانت الثورة جزءاً لا ينفصم عن الخبز والماء، فكيف ان كانت الثورة هي دفاعاً عن الحق في أكل الخبز وشرب الماء و بحثاً عن أكف الكدح وبعضاً من “كرامه”..؟
كأنك تعيش معنا، أو عشت أحداثنا قبلنا، أو كتبت لنا و لأجلنا ولم تكتب يوماً لنفسك.. لله درك ما أقوى بصيرتك.. رحمك الله، ارقد في سلام يا أبا السلام..
_______________________________
نشرت في صحيفة القدس العربي 15-2-2011 http://alquds.co.uk/index.asp?fname=today%5C15b87.htm&arc=data%5C2011%5C02%5C02-15%5C15b87.htm ثم تم نشره في صحف أخرى مختفه، و نقل أيضا الى موقع حزبي لا أنتمي له، ولم ينشر هناك بواسطتي.





أحب دائما المرور بين صفحاتك لما فيها من روح وطنيه عاليه و نفحات عربيه خاصه تجتاح كلماتك المسافره من فلسطين
تحيه طيبه
كيف ممكن الحصول على كتابك الجديد؟
صابر نجار