
أبيض أو أسود.. لا مجال لغير ذلك. وما يأتي بين أطياف هذين اللونين ما عدنا نعترف به لوناً لا نقبياً رغم مشيحه المتفاوت الغامض بين أهم و أقدم لونين في الوجود.
من منطلق الجدية و حسم الأمور بالقوة واللا رجعه يأتي خيار إشراقة الشمس بالأبيض أو ديجور ظلام بالأسود، مبتعدين كل البعد عن الحياديه داعمين للانحيازيه. ففي نظامه اللوني المتكامل المتشكل من طرفي أقطابٍ متباعدة يعيش الرمادي كظلٍ لكل شيٍ و كل لون، كأخٍ لم تأخذه يوماً بعين الإعتبار، بالرغم من أنه أقوى داعم قد تجده من تكوينات كونية فذة كالنار مثلا.
هروبي الدائم لهذا اللون هو لما أراه فيه من الوسطية و الاعتدال، هي تلك التي اختفت بجميع مضامينها من حاضرنا، ومن لا يرى الرمادي كما أراه فلا داعي لإكمال القراءة. كل قرار مصحوب بخسارة و ربح، ولكي تربح لابد أن تخسر شيئاً ما بالمقابل، لكن تفكيري المطول باللون الرمادي الذي يتوسط خيارين ولونين مهمين ما هو الا هدوء وصفاء كينونتي وتحفظي الشديد على نفسي و حرصي على الابتعاد قدر المستطاع عن اللوم، الندم، والأهم من ذلك الانحياز.
بعيدا عن “إما .. أو..” تسكن حيادية الرمادي وجبروته عندما توقن جيدا أعماق هذا اللون بقواعده و تفاصيله و أبعاده المتمركزه، وإن لم تصل الى تلك الدرجه سيبقى هذا اللون لك مجرد لون، أو أكثر تعقيداُ من مجرد لون. كأن تتحدث بإيجابية ثم تتبع جملتك بكلمة “لكن “!!
أين أقف الآن بالنسبة للرمادي لا يهم أحداُ فهو شيء بيني و بين الرمادي، لكنه أيضاُ يقف كرمز لوني مهم بالنسبة للكثيرين، فرمزية اللون الرمادي عند الهندوس تشكل قدسية خاصة لما فيه من رموز الموت (لأن الأموات عندهم يتحولون الى رماد بعد حرقهم) و النار ( من أقوى أقوياء الطبيعة التي تحول أي شي الى رماد). ولدى المعظم أيضا هو رمز الحزن والكئابه بصفة غير رسمية، و عند آخرين هو مجرد لون بشع لا داعي له و يفضل استبداله، أولئك السطحيين الذين يرون الحياة من زاوية محدودة، لا من زاوية ثلاثية الأبعاد فيها الأبيض و الأسود.. والرمادي..! أذكر عند ارتدائي المتكرر لهذا اللون أيام الجامعة كنت ألقى الكثير من الإطراء حول كونية ملابسي و ألوانها التي تبعث على النعاس و الرغبة الشديدة للنزول تحت غطاء فراش بارد و النوم لما في تدرجات الرمادي من دفء يزين الشتاء، مع العلم بأني لم أكن أذهب للجامعة بالبيجاما أبدا..!!
في الرمادي استقامة مفقودة من كل من يتبع قاعدة “إما.. أو..” و ” أبيض أو أسود” .. أنا من مؤيدي اللون الرمادي بشده مرة أخرى لأنه وسطية معتدلة بين البينين “الأسود والأبيض” و قاعدتي الوحيدة التي أسير عليها في خطاي المتأخرة منها والمتقدمة، و كونية الرمادي المخفية تكمن في عقليتي الرماديه التي ترفض حصر الخيارات على ما يوجد أصلا وتحديدا.
________________________________________
نشرت في مجلة فلسطين الشباب العدد 49 كانون الثاني 2011 http://www.filistinashabab.com/article_details.php?art_id=1365&edid=73&cat=1




